الغزالي

111

إحياء علوم الدين

له ابن عباس هل لك من حاجة ؟ قال نعم أردت أن أسأل مسألة فاستحيت من الناس ، وأنا الآن أهابك وأجلك . فقال ابن عباس : ان العالم بمنزلة الوالد ، فما كنت أفضيت به إلى أبيك فأفض إلى به ، فقال إني شاب لا زوجة لي ، وربما خشيت العنت على نفسي ، فربما استمنيت بيدي ، فهل في ذلك معصية ، فأعرض عنه ابن عباس ، ثم قال . أف وتف ، نكاح الأمة خير منه ، وهو خير من الزنا . فهذا تنبيه على أن العزب المغتلم مردد بين ثلاثة شرور ، أدناها نكاح الأمة ، وفيه إرقاق الولد ، وأشد منه الاستمناء باليد ، وأفحشه الزنا ، ولم يطلق ابن العباس الإباحة في شيء منه ، لأنهما محذور ان يفزع إليهما حذرا من الوقوع في محذور أشد منه كما يفزع إلى تناول الميتة حذرا من هلاك النفس ، فليس ترجيح أهون الشرين في معنى الإباحة المطلقة ، ولا في معنى الخير المطلق وليس قطع اليد المتأكلة من الخيرات ، وإن كان يؤذن فيه عند أشراف النفس على الهلاك فإذا في النكاح فضل من هذا الوجه ، ولكن هذا لا يعم الكل بل الأكثر ، فرب شخص فترت شهوته لكبر سن أو مرض أو غيره ، فينعدم هذا الباعث في حقه ، ويبقى ما سبق من أمر الولد ، فان ذلك عام ، إلا للممسوح وهو نادر ومن الطباع ما تغلب عليها الشهوة بحيث لا تحصنه المرأة الواحدة ، فيستحب لصاحبها الزيادة على الواحدة إلى الأربع ، فان يسر الله له مودة ورحمة ، واطمأن قلبه بهن ، وإلا فيستحب له الاستبدال ، فقد نكح على رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة عليها السلام بسبع ليال ، ويقال إن الحسن بن علي كان منكاحا حتى نكح زيادة على مائتي امرأة ، وكان ربما عقد على أربع في وقت واحد ، وبما طلق أربعا في وقت واحد واستبدل بهن . وقد قال عليه الصلاة والسلام للحسن [ 1 ] « أشبهت خلقي وخلقي » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « حسن منّى وحسين من علىّ » فقيل إن كثرة نكاحه أحد ما أشبه به خلق رسول الله صلَّى الله عليه وسلم